كابوس منتصف الليل – محمد نور
— عدت سريعاً؟
وللمرة الأولى منذ يوم زفافنا، لم أعرف كيف أنظر إليها.
أردت أن أسخر من نفسي.
أردت أن أخبرها بما قالته سلمى وأدعها توضح كل شيء في ثوانٍ معدودات.
أردت أن أصدق أن ابنتي خلطت بين الحلم والواقع، وأن بيتي ما زال ذلك الملاذ الآمن الذي أعرفه.
لكن بدلاً من ذلك، وقفت مكاني وأنا أضغط على مفاتيحي بشدة، وبدأت ألاحظ أموراً لم أكن أرغب في رؤيتها من قبل.
الهالات السوداء تحت عينيها.
حرصها على ارتداء أكمام طويلة رغم دفء الجو.
تلك الجفلة الصغيرة التي تعتريها كلما اقترب منها أحد، وكأنها تعود من مكان بعيد جداً وتحتاج لحظة لتستوعب ما حولها.
سألتني إن كان كل شيء على ما يرام، فأجبتها بالنفي والقبول زيفاً.
طوال ذلك اليوم، كنت أتحرك في البيت كالغريب في ملكه. كل صوت بات أكثر حدة، وكل صمت صار يبعث على الريبة. حين اهتز هاتفها على الطاولة، التقطته بسرعة مفرطة. وحين دخلت غرفة الغسيل لتجيب على المكالمة، سمعت منها جُملة واحدة قبل أن تخفض صوتها:
— إذن الليلة… بعد أن ينام.
اعتصرت معدتي بحدة جعلتني أسند يدي على الجدار.
خرجت بعد لحظات وهي تحمل المناشف، بهدوئها المعتاد، وسألتني إن كنت أُفضّل الدجاج أم المعكرونة على العشاء.
قلت إنني لا أبالي.
نظرت إليّ لثانية أطول من المعتاد، وكأنها شعرت بتغير طرأ علي، لكن أحداً منا لم يبتس ببنت شفة. لا أثناء العشاء، ولا حين كانت سلمى تحدثنا عن دروس الإملاء، ولا أثناء تنظيف الأطباق، ولا حين استسلم البيت رويداً رويداً لظلمة الليل.
قبل أن أأوي إلى فراشي، وقفت عند باب غرفة سلمى.
— هل رأيته بحق كل ليلة؟
أومأت برأسها وهي تضع خدها على الوسادة:
— يأتي دائماً عندما يشتد الظلام… يحمل شيئاً معه. أمي لا تصرخ أبداً، لكن يبدو عليها الحزن فقط.
حزينة.
كان ينبغي لهذه الكلمة أن تجعلني أتمهل.
لكنها لم تفعل.
جاءت زوجتي إلى المضجع في حدود الساعة الحادية عشرة. كانت تفوح منها رائحة الصابون وشيء آخر محايد لم أستطع تمييزه. سألتني إن كنت قد تناولت دوائي ليساعدني على النوم، فأجبت بالإيجاب، وجعلتها تسمع صوت خرير الماء في الحمام، لكنني مججت القرص في الحوض ثم دسسته في جيبي.
استلقيت بجانبها في العتمة وأنا أنتظر.