كنت رايحه عند امي ٢

عياط هستيري، وقعت على الأرض عند رجلين طارق في مكتب النيابة قدام الكل أبوس إيدك يا طارق! اتصالح.. هتحبس أنا وأخويا! والله هما اللي ضحكوا عليا، والله أمي وأخويا هما اللي قالولي أعمل كده عشان نلوي دراعك وناخد قرشين! سامحني يا طارق عشان خاطر عيالك، مين هيربي فريدة ويوسف لو أنا اتسجنت؟!.
طارق رجع خطوة لورا، وبصلها بنظرة برود خالية من أي شفقة، نظرة راجل شال حبيبته من قلبه ورماها في الزبالة عيالي أنا اللي هربيهم، هربيهم بلقمة حلال وفي بيت نضيف ميعرفش الكدب ولا الغدر ولا الحرام. أنتي اللي حطيتي نفسك وأخوكي في الحبس، واللي يزرع شوك مبيجنيش غير الجراح.
ولف وشه لوكيل النيابة وقال بكل هدوء وثبات يا فندم، أنا برمي عليها يمين الطلاق قدام معاليك دلوقتي، وورقتها هتوصلها في الحبس مع المأذون، وحقي في بنتي وابني هاخده بالقانون وبحكم المحكمة، ومش هتنازل عن محضر البلاغ الكاذب والتزوير.
الصرخات والنواح بتاع أم ياسمين ملوا طرقة النيابة وهي بتلطم على وشها وبنتها وابنها بيتكلبشوا مع بعض ورايحين على الحجز. المحامي بتاعهم سابهم وانسحب من القضية بعد ما شاف الفضيحة والتزوير العيني.
خرجنا من باب المحكمة، كانت شمس الظهر طالعة دافية، الهوا كان نضيف ونقي كأننا كنا محبوسين في كابوس وخرجنا منه للدنيا الواسعة.
طارق أخد نفس عميق وطويل، حسيت بكتفيه اللي كانوا مشدودين بقالهم أيام بيهدوا، والهم التقيل اللي كان على صدره انزاح. ركبنا العربية ورجعنا على بيت أمي.
أول ما فتحنا الباب، لقينا أمي قاعدة على سجادة الصلاة، ماسكة سبحتها ودموعها بتنزل في صمت وبتدعي. أول ما شافت طارق داخل بابتسامة راضية ورافع راسه، رفعت إيديها الاتنين للسما وصرخت بفرحة الحمد لله! الحمد لله الذي نصر عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده! حقك رجع يا ضنايا؟.
طارق نزل على ركبه وحضن أمي حضن طويل، وباس راسها وإيديها ورجليها رجع يا أمي.. ربنا مبيسبش حق حد بيتقي الله. كيدهم اتقلب في نحورهم، وربنا نجدني من بيت كان هيخرب حياتي وديني ودنيتي.
أنا قعدت جنبهم ومسحت دموع الفرحة اللي نزلت من عيني شوفي يا أمي، سبحان الله، لو مكنتيش وقفتي في البلكونة وشوفتي إنهم داخلين من غير تورتة، مكنش طارق شك، ومكنش الدهب اتعرف إنه اتسرق، ومكنش الغدر ده كله اتكشف! لقمة التورتة اللي استكتروها عليكي كانت السبب في إن ربنا يرفع الغطا عن البير كله.
أمي ابتسمت ابتسامتها الحنينة وقالت بحكمة السنين يا بنتي، اللي يبص في لقمة أمه، ولا يستكتر الفرحة على أهل بيته، ربنا مبيباركلوش في عيشة. الأصول مبتتشريش بفلوس، والقلب الخبيث لازم يفضح نفسه مهما دارى وتخبى ورا المسكنة.
بعد أسبوعين من الواقعة دي، النيابة قررت إخلاء سبيل ياسمين بكفالة مالية على ذمة قضية البلاغ الكاذب، مع استمرار حبس أخوها محروس بتهمة التحريض والمشاركة في التزوير. ياسمين رجعت بيت أبوها مكسورة، محنية الضهر، الشارع كله عرف حكايتها وفضيحتها، وبقت سيرتها على كل لسان بعد ما كانت بتتباهى بأصلها وعيلتها.
أما طارق، فرفع قضية ضم لحضانة أولاده، وبما إن الأم عليها أحكام وقضايا مخلة بالشرف والأمانة، المحكمة حكمت بإن الحضانة تروح للجدة للأب.. يعني أمي!
وفي يوم جمعة مبارك، بعد شهرين من كل اللي حصل، البيت كان منور ومملي دفا. ريحة البخور كانت مالية الشقة، وصوت القرآن شغال في الراديو.
فريدة ويوسف الصغيرين كانوا بيجروا في الصالة ويضحكوا، يوسف ماسك العجلة الجديدة اللي أبوه كان جايبهاله، وفريدة لابسة حلق دهب جديد طارق اشتراهولها ولبسهولها في ودنها بإيده، وقالها ده من خير أبوكي يا حبيبة أبوكي، ومحدش في الدنيا يقدر يمد إيده عليه تاني.
أنا كنت في المطبخ بعمل صينية كيكة بالشوكولاتة كبيرة، وطلعت بيها على الصالة وحطيتها على التربيزة قدام أمي وطارق والولاد.
أمي بصت للكيكة وبصت لعيال ابنها وهما فرحانين وبيسقفوا، ضحكت من كل قلبها ووشها كان منور رضا ونور تسلم إيدك يا منى يا بنتي.. شوفي يا سبحان الله، الكيكة البيتية اللي معمولة بحب ورضا وبركة، أحسن وأطعم من مية تورتة معمولة بالغدر والسرقة والكبرياء.
طارق قطع أول خرطة، وحطها في طبق، وراح باس راس أمي وقدمهالها بإيده كلي يا أمي واتهني.. البيت ده بيتك، وعيال طارق هما عيالك، ومفيش لقمة هتدخل البيت ده من هنا ورايح إلا وإنتي راضية عنها ومباركاها.. إنتي الخير والبركة، ومن غير رضاكي ملناش في الدنيا دي عازة.
أمي أكلت اللقمة ودعت لأولادها، والصالة اتملت بضحكات الولاد ولمة العيلة الصافية اللي مفيهاش غل ولا نفاق.
ساعتها بس اتأكدت إن ربنا لما بيقفل باب مسموم في وش البني آدم، بيكون بيحميه، وبيفتحله بداله أبواب من راحة البال والسكينة اللي متتقدرش بمال الدنيا.. وإن الحق، مهما طال عليه ليل الظلم والافتراء، لازم يشرق بنوره ويفضح العتمة، ويخلي كيد الخاينين في نحورهم، ويفضل بيت الأصول عامر برضا الوالدين واللقمة الحلال.
النهاية حكايات مني السيد حصري

الصفحة السابقة 1 2 3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *