بضاعه كاسدة – محمد نور
وكتب مجددًا:
“كوني مطيعة.. ابقي قليلاً ثم نغادر.”
منذ اللحظة التي ظن فيها الجميع أنني لا أستطيع السماع، توقفوا عن التصنع.
مزح أحدهم:
— باسل، علمنا كيف نحصل على صفقة كهذه؟ زوجة بتصفيات شاملة!
ابتسم باسل:
— أخ مديون، وأب مفلس، وطليق هارب.. بَقيت وحدها يوم الطلاق تمامًا. كنتُ أَمُرّ قرب المحكمة فاتصلتُ بها.. كان مجرد حظ.
تنهدت سارة بعذوبة كالسم:
— لا تتحدث هكذا أمامها، لو كانت تسمعك لحزنت.
أطلق باسل ضحكة خافتة:
— لا تستطيع.. البطارية فرغت.
ثم قال الجملة التي حطمت ما تبقى مني في الداخل:
— كيف لصماء أن تسمع؟
خفضتُ رأسي ورشفتُ من الكأس.
قبل سنوات، ولأحمي أخي من بعض الدائنين، دُفعتُ بقوة نحو الطاولة، وصدم رأسي الحافة الخشبية.. ومنذ ذلك الحين تضرر سمعي.
عندما ظهر باسل في حياتي مجددًا وعلم بأمري، بكى.
لمس أذني بأصابع مرتجفة وقال لي إن العالم كان قاسيًا معي أكثر من اللازم.
كان المشهد لا يزال حيًا في ذاكرتي.
لكن في تلك الليلة، اختُزل كل شيء في كلمة واحدة:
صماء.
سُحبت الكأس من يدي.
عقد باسل حاجبيه وأراني هاتفه:
“لم تتناولي دواءكِ، لا تشربي المزيد.”
عندها وضعت سارة يدها على بطنها:
— يؤلمني جدًا…
نهض باسل على الفور:
— سأستأجر غرفة في الأعلى لترتاحي، ثم أشتري لكِ الدواء.
قبل أن يغادر، نظرت سارة نحوي.
وكأن باسل تذكر وجودي، فكتب:
“سأذهب لأدخن.”
أمسكت سارة بيده وأضافت ثلاث كلمات خلفها:
“في الحمام.”
أومأتُ برأسي ببطء.
ربما خدر الشراب ألمي، أو ربما لم يعد هناك ما يؤلم من الأساس.
نظر إليّ باسل، ولعل وجهي المحمر بدا له لطيفًا، فرفع يده ليمسح على خدي.
ابتعدتُ عنه.
تعالقت أصابعه في الهواء.
لكنه لم يهتم كثيرًا.
حرك شفتيه ببطء، كأنما يكلم طفلة مطيعة:
“انتظريني.”
رأيته يخرج مع صديقتي المقربة.
وفي تلك الليلة، وللمرة الأولى.. لم أنتظر.
خمس دقائق كاملة مرّت وأنا قابعة في مكاني لا أتحرك.
كان المكان لا يزال يموج بالصخب والموسيقى ورائحة الدخان الخانق. كان أصدقاء باسل يواصلون حديثهم باستهتار وكأنني مجرد جماد يقبع في الزاوية؛ حتى إن بعضهم لم يكلف نفسه عناء خفض صوته.
بالنسبة لهم، كان صمتي عجزًا.
أما بالنسبة لي، فقد بدأ يتحول إلى قوة.