الهروب – محمد نور

نظرتُ إلى إشعار التحويل.. 300 ألف ريال. طارق ظن أن هذا المال سيشتري صمتي ويمحوني من حياته، ولم يعلم أنه سيكون رأس مالي لبناء حياة جديدة لا تعتمد عليه.

سحبت أنبوب المغذي ببطء.

«يا سيدة، لا تفعلي!» صرخت الممرضة وهي تدخل، لكنني أصررت على نزعه.

عندما لمست قدماي الأرض، كدتُ أفقد توازني من شدة ألم العملية، لكنني وقفت.

ركضت نورة وحضنت ساقي: «أمي.. هل سنغادر؟»

مسحتُ على شعرها: «نعم يا حبيبتي.»

«إلى أين؟»

ابتسمتُ: «إلى مكان لن يجرؤ فيه أحد على إخافتكم بعد اليوم.»

أخذتُ التوأم بمساعدة الممرضة، وجمعتُ نورة ومريم بجانبي. كان كل خطوة تؤلمني، لكن طعم الحرية كان أعظم. لأول مرة منذ ست سنوات، لا أمشي كـ “زوجة طارق”، بل كـ سمر.. الأم التي اختارت نفسها وأبناءها.

وصلنا إلى المصعد، ودخلنا. وعندما أوشكت الأبواب الحديدية على الإغلاق، سمعتُ خطوات جري سريعة وصراخاً من أقصى الممر:

«سسسسمر!»

التفتُّ، ورأيتُ طارق يركض ونظارته شبه ساقطة، وربطة عنقه فوضوية، والهلع يكسو وجهه لأول مرة:

«سمر، انتظري!»

كادت يده تلامس الباب، لكن الأبواب أُغلقت في وجهه تماماً.

بدأ المصعد يهبط.. أمسكت نورة بيدي بصلابة. هي لا تعلم أن حياتنا تغيرت للأبد، وطارق لا يعلم بعد أن ورقة الطلاق والمال لم يتسببا في إبهاري.. بل كانا بداية الانهيار لأكبر أسرار عائلة آل المكتوم!

الجزء الثاني:

لم يكد المصعد يصل إلى الدور التاسع حتى بدأ هاتفي يهتز بلا توقف.

اتصل طارق.

مرة.

مرتين.

خمس مرات.

أطفأت الشاشة دون أن أرد.

نظرت إليّ نورة بعينين واسعتين: «أمي، هل بابا غاضب؟»

تحملت ألم البطن بينما أحتضن يدها الصغيرة: «ليس من شأن نورة أن تفكر فيمن هو غاضب، المهم الآن أننا بأمان.»

هزت نورة رأسها، لكن وجهها الصغير كان لا يزال يطفو عليه القلق.

كنت أعلم أن مثل هذا الخوف لا ينشأ في يوم واحد؛ فلعدة سنوات، نشأت ابنتاي في قصر كبير يبدو مثالياً من الخارج، ولكنه مليء بصراخ الملاسنات، وأبواب تُصفع بقوة، وعبارات تجعلهما تتعلمان المشي بهدوء كي لا تُزعجا الكبار.

لم أكن أريد لهما أن تعيشا تلك الحياة مجدداً.

في بهو المستشفى، كانت هناك سيارة سوداء بانتظاري.. لم تكن ملكاً لعائلة آل المكتوم، بل كان سائقها العم صالح، السائق السابق لوالدي.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *