الهروب – محمد نور

أما قضية شركة آل المكتوم فاستمرت طويلاً؛ جُرّد طارق من كافة مناصبه التنفيذية، وتحولت بعض المعاملات للملاحقة القضائية، واستقالت حصة من المجلس، فيما اختفت ريم لأشهر قبل أن تُستدعى للتحقيق.

أما أنا، فاتخذتُ قراراً فاجأ الجميع؛ بعتُ جزءاً صغيراً جداً من الأسهم لتأسيس شركة لإدارة العقارات ومكتب استشارات قانونية للأسر مع أمل كشريكة.

حين سألتني أمل عن سبب اختياري لهذا المجال، أجبتا ببساطة: «لأن الكثير من النساء لا يفكرن في خطة الخروج إلا بعد أن يفقدن كل الخيارات. لا أريد لحياتي أن تكون مجرد قصة امرأة انتقمت من زوجها، بل قصة امرأة بنت نفسها بعد أن انهار كل شيء.»

مر عام كامل.. دخلت نورة المدرسة الابتدائية، وأصبحت مريم أكثر الأطفال حديثاً في البيت، بينما بدأ التوأم، راكان ورَافِع، يتعلمان المشي بالاستناد على الأثاث.

في أحد الأيام، رن جرس الباب. حين فتحته، كان طارق واقفاً.. بلا سيارة فاخرة ولا حراسة، جاء بمفرده وبدا أكثر نحولاً: «أتيتُ بناءً على الموعد المحدد.»

هززتُ رأسي، وركضت نورة ومريم إليه: «بابا!»

جثا طارق على ركبتيه ليحتضنهما. كنتُ أقف على بعد خطوات، وحين دخلت البنتان لجلب ألعابهما، نظر إليّ طارق: «سمعتُ أن شركتكِ افتتحت فرعها الثاني.»

«نعم.»

«مبارك لكِ.»

«شكراً لك.»

ساد الصمت لثوانٍ، ثم قال طارق بصوت خفيض: «في الماضي، كنتُ أظن حقاً أنكِ لن تستطيعي العيش من دون عائلتي.»

ابتسمتُ: «وانا أيضاً كنتُ أظن ذلك.»

تطلع إليّ وقال: «هل تكرهينني؟»

فكرتُ في السؤال، والغريب أن الإجابة لم تعد صعبة: «لا.»

فوجئ طارق، فأكملت: «كنتُ أكرهك، ولكن الكراهية تجعل حياتي تدور حولك، وأنا تعبت..»

أطرق طارق رأسه: «أنا نادم.»

«ربما.. ولكن ندمك لم يعد شيئاً يتحتم عليّ إصلاحه.»

هز رأسه ببطء، وقبل أن يأخذ نورة ومريم لقضاء فترة العصر معهما، توقف وقال: «مبلغ الثلاثمائة ألف ريال تلك..»

التفتُّ إليه: «ما بها؟»

«أتذكر حين ألقيتها على السرير.. ظننتُ أنها تكفي لشراء رحيلكِ.»

نظرتُ إليه بهدوء وابتسمت: «تلك الأموال اشترت شيئاً بالفعل.. اشترت حريتي!»

لم يقل شيئاً، وغادر.

في تلك الليلة، وبعد أن نام الأطفال جميعهم، فتحتُ درجاً صغيراً في مكتبي؛ كان يحتفظ بالظرف البني القديم من المستشفى: صك الطلاق، إشعار التحويل، ورسالة أبي الأخيرة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *