عندما استيقظتُ وانا ما زلتُ بين النوم واليقظة داخل القطار السريع، كان اول ما لاحظتُه هو ان المقعدين المقابلين لي فارغان. طارق، خطيبي. وريم، صديقة طفولته. كلاهما اختفى في الوقت نفسه. وقبل ان استوعب ما يحدث، اهتز هاتفي بفرقعة رسالة. كانت من طارق: "سارة، ريم تقول انها لم تزر هذه المدينة من قبل. نزلنا هنا لنتمشى قليلا. واصلي انتِ مع باقي المجموعة حتى نصل الى الفندق، وسنلتحق بكم لاحقا." بقيتُ احدق في الشاشة. خطيبي، الذي كان من المفترض ان يسافر الى جانبي، قرر النزول في مدينة عابرة ليقوم بجولة سياحية مع امرأة اخرى. ودون ان يخبرني حتى قبل ان يفعلها. ثم وصلت رسالة اخرى: "اه، صحيح يا سارة.. المشي في المدينة مع حقائب كبيرة امر مجهد. خذي حقيبتي وحقيبة ريم معكِ الى الفندق عندما تصلين. لا تنسي." نظرتُ الى الحقيبتين الضخمتين بجوار مقعدي. ثم نظرتُ الى حقيبتي. ثلاث حقائب. هل يظن طارق ان لدي ستة اذرع؟ بمزيج من الغضب والفضول، بداتُ اسحب محادثتنا القديمة الى الاعلى. "ريم تقول ان لديها امتعة كثيرة لهذا السفر، لذا ساذهب لاحضرها من شقتها ثم نلتقي في المحطة. اذهبي انتِ مع البقية." لهذا السبب وصل الجميع الى المحطة صباح اليوم كازواج. الجميع الا انا. واصلت القراءة. "ريم تقول ان السفر بمفردنا نحن الاثنين سيكون مللا. الافضل ان ندعو اصدقاء الجامعة." رحلتنا الرومانسية بمناسبة التخرج تحولت فجاة الى رحلة جماعية. رسالة اخرى. "ريم تقول انها تريد البقاء والعمل هنا في العاصمة. ربما يجدر بنا البقاء ايضا. وبخصوص العرض الذي وصلكِ من الشركة الكبيرة.. يمكنكِ رفضه." هنا تجمد الدم في عروقي. لقد اجتزت اختبا ات حرجة ومقابلات تقنية وثلاث جولات مع المدراء لاحصل على تلك الوظيفة. كانت الفرصة التي عملتُ بسنوات من اجلها. وكان طارق يتوقع مني ان اتخلي عنها لمجرد ان.. ريم قالت. واصلت الصعود في المحادثة. "ريم تقول.." "ريم تفكر.." "ريم ترغب.." "ريم لا تريد.." وفجاة فهمتُ شيئا في غاية السباكة والعبث حتى انه اوشك ان يضحكني. في علاقتي الخاصة، كان هناك ثلاثة اشخاص. وكنتُ انا اقلهم رايا. اخذتُ نفسا عميقا، فتحتُ المحادثة وكتبت: "طارق، كل شيء بيننا انتهى." إرسال. تم التسليم. ولاول مرة منذ اشهر شعرتُ انني استطيع التنفس. لن أعود الى المنزل. لقد قطعتُ مسافة سبع ساعات من اجل هذه العطلة ولن أسمح لشخصين بافساد كل ما رتبتُ له. ثم تفقدتُ اغراضي. واكتشفتُ ما هو اسوا. حقيبتي الصغيرة اختفت. سالته من حولي. سحر، خطيبة ممثل دفعتنا، قطمت حاجبيها وقالت: — اعتقد انني رايت طارق ينزل من القطار ومعه حقيبة ظهر نسائية. ثم التفتت الى خطيبها وسالته دون ان تخفض صوتها: — بالمناسبة.. هل طارق خطيب سارة ام خطيب ريم؟ اشار لها خطيبها لتصمت. لكن الامر كان قد تجاوز حده. حتى الاغراب لاحظوا ذلك. بدا هاتفي يرن. طارق. اجبت. — لماذا سرقت حقيبتي؟ — سرقت؟ سارة، انتقي كلماتكِ. كل ما في الامر انني استعرتها. ثم ما معنى رسالة "انتهى كل شيء"؟ هل ستنهين علاقتنا لمجرد انني نزلتُ من القطار دون اعلامكِ؟ — نعم، انتهينا. الان اخبرني اين حقيبتي. تنهد بضيق وقالت: — واقي الشمس الخاص بـ ريم كان غائرا في اسفل حقيبتها وكان من الصعب اخراجه. وانا اعرف ان لديكِ واقيا في حقيبتكِ الصغيرة، فاخذناها. لا داعي لجعل الامر دراما. ضغطتُ على اسناني. — ولتستخدم واقي الشمس كان عليكما اخذ الحقيبة بأكملها؟ صمت. ثم تذكرتُ شيئا. بطاقتي الشخصية كانت بداخلها. — طارق.. بطاقة هويتي هناك. بدونها ساشهد مشاكل حتى في الخروج من المحطة. — انتِ تبالغين حتما. — اعدها لي فورا. وحقائبكما يمكنكما المجيء لاخذها بنفسيكما. — سارة! — ان اختفت هويتي، سابلغ الشرطة. أغلقتُ الخط. بعد ساعة وصلنا الى المحطة الرئيسية. استطاع الجميع الخروج. اما انا فلا. اضطررتُ لشرح موقفي للموظفين، وتقديم وثائق رقمية، والانتظار حتى انتهاء التحقق. وعندما خرجتُ اخيرا من الابواب، رايت طارق وريم ينتظراني مع باقي المجموعة. ابتسم طارق وكأن شيئا لم يكن. — سارة، ها هي حقيبتكِ. وتوقفي عن التلفظ بالفراق كلما غضبتِ. يوما ما ساخذ كلامكِ بجدية وحينها ستكونين انتِ من يبكي. لم ارد. فتحتُ الحقيبة. علبة واقي الشمس الجديدة كانت مفتوحة واكثر من نصفها قد اختفى. بيت نظارتي الشمسية كان هناك. لكن النظارة اختفت. وبطاقتي الشخصية.. غير موجودة ايضا. شعرتُ بالدم يغلي في رأسي. — اين بطاقتي؟ قطم طارق حاجبيه: — اي بطاقة؟ لم ار شيئا. نظرتُ الى ريم. فتحت عينيها باتساع وقالت: — سارة، نحن لم نر اي وثائق. لماذا قد ناخذ بطاقتكِ؟ في تلك اللحظة تذكرتُ حادثة قديمة. قبل سنتين، اثناء حفل تخرج الجامعة، اختفت ورقة كلمتي قبل دقائق من صعودي على المسرح. لم استطع اثبات من فعلها وقتها. لكن ريم كانت الشخص الوحيد الذي يعرف أين وضعتها. نظرتُ اليها بثبات: — اعيديها يا ريم. امتلات عيناها بالدموع فورا. وكالعادة، وقف طارق امامها حائلا: — كفى يا سارة! لماذا تهاجمينها دائما؟ ما الذي ستستفيده ريم من اخفاء بطاقتكِ؟ لم اجادل. سحبتُ بيت النظارة فقط. فتحته. فارغ. رفعتُ نظري وقالت بصوت هادئ على نحو مفاجئ: — ممتاز.. فسر لي هذا اذا. شحب وجه ريم. وقبل ان يفتح طارق فمه ليدافع عنها مرة اخرى.. قالت سحر التي كانت تقف خلفهما: — انتظروا لحظة. التفت الجميع اليها. كانت سحر تمسك بهاتفها وقالت: — اعتقد ان لدي شيئا يجب ان تراه سارة. نظرَتْ ناتالي إلى شاشة هاتفها لبضع ثوانٍ قبل أن تترجل مبتعدةً نحو المجموعة. قشعرّ وجه طارق وقال بضيق: — ما الذي لديكِ؟ أجابت بثبات: — صورة. توقفت ريم عن البكاء فوراً. كان تحولاً خاطفاً، خاطفاً لدرجة أن أحداً لم يلاحظه سوايا. عرضت ناتالي صورةً التُقطت صباح اليوم نفسه داخل القطار. كانت صورةً جماعية عادية، لكن في خلفيتها ظهر طارق وريم؛ وكانت حقيبتي الصغيرة مفتوحة على ركبتي ريم، وتبدو في يدها بطاقة مستطيلة.. بطاقتي الشخصية. عمّ الصمت المحيط. لم أشعر بالتشفي ولا بالغضب، بل بوضوح عارم.. كالضوء ينير فجأة بعد طول شك. نظَرَ طارق إلى الصورة ثم التفت إلى ريم: — ما هذا؟ ارتبكت ريم وسارعت بالقول: — لا أعرف! ربما خرجت البطاقة بالخطأ وأنا أبحث عن واقي الشمس! سخرتُ منها: — قبل دقيقة قلتِ إنكِ لم تريها قط. — توتّرتُ فحسب! — بالطبع.. سألتُها بصرامة: — أين البطاقة؟ — قلتُ لكِ لا أعلم! — إذن سأتصل بالشرطة فورا. صرخ طارق: — تتصلين بالشرطة من أجل بطاقة؟! — بل لأجل الاستيلاء على ممتلكاتي واختفاء وثيقة رسمية. حاول طارق التهدئة: — سارة، لا تبالغي، سنبحث عنها.. قاطعتُه بتصميم: — لسنا زوجين ولا خطيبين لتملي عليّ ما أفعل. سألتُ ناتالي أن ترسل لي الصورة، ففعلت. وحين أخرجتُ هاتفي، أمسكت ريم بذراعي مندفعة: — انتظري! ربما.. ربما سقطت مني قرب مخرج محطة القطار! سألها طارق باستنكار: — سقطت؟ كيف سحبتِ أغراضاً من الحقيبة اصلاً؟ — أخذتُ الواقي والنظارة الشمسية فقط.. صحتُ فيها: — والنظارة أيضاً؟! أين هي؟ — انكسرت وسقطت.. فرميتها. ضحكت ناتالي بسخرية، بينما قستُ أنا كلماتي: — ستدفعين ثمن النظارة، سعرها مائتان وثمانون دولاراً. وإن لم تملكي المال فليطالب بها طارق، فهو من سرق حقيبتي من القطار. تدخل ممثل الدفعة ونظر إلى صورة ناتالي مجدداً وقال: — انتظروا.. ريم لا تخرج البطاقة في الصورة، بل تمسكها وتنظر حولها، ثم تفقدت حقيبة يدها. ريم، أفرغي حقيبتكِ. رفضت ريم وصارعت بالبكاء، لكن أمام إصراري بالاتصال بالشرطة، فتحت سحاب حقيبتها مكرهة. سحبت أدوات التجميل والعطور، ثم أشارت ناتالي إلى جيب داخلي مغلق. عندما فتحته ريم.. كانت بطاقتي الشخصية تقبع هناك. ساد الذهول. قال طارق بصدمة: — فسرّي هذا يا ريم! انهارت ريم باكية: — أردتُ تلقينها درساً! إنها تتصرف دائماً وكأنها أفضل من الجميع! ثم أردفت بصراخ وهي تنظر إليّ بغلّ: — هي تسعى دائماً للتفريق بيننا! نظرتُ إليها بثبات: — للتفريق بينكما؟ — أردتُ القول.. التفريق بين صداقتنا! — لا، بل قلتِ ما تقصدينه تماماً. التفتت ريم إلى طارق وقالت بمرارة: — هل تظن سارة أنك اخترتها يوماً؟ كلما اتصلتُ بك بنيتَ خططك عليّ، وحين رفضتُ سفركما بمفردكما دعوتَ الرفاق، وعندما أردتُ البقاء في العاصمة طلبتَ منها رفض عرض عمل نيويورك! تجمّد طارق: — ريم، اصمتي! — لن أصمت! لقد ظللتَ سنوات تطلب مني أن أنتظر! وتقول لي إنك تجرب فقط إن كانت علاقتك بسارة ستنجح! وقع الكلمات كان كالصفعة، لا لأنني أريد استعادة طارق، بل لأنني أدركتُ أن السنوات الثلاث الماضية كانت كذبة كبيرة. استرددتُ بطاقتي، وأخذتُ حقيبتي وقررتُ الابتعاد. تبعني طارق وأمسك بمعصمي: — سارة! أتهدمين ثلاثة أعوام من أجل هذا؟ — أنت من هدمتها تدريجياً، وأنا أدركتُ ذلك للتو. في الفندق، غيرتُ ترتيب الغرف لأقيم مع ناتالي. حظرتُ طارق من هاتفي بعد رسائل ملحة منه. وفي اليوم التالي، استمتعتُ بجمال المدينة مع أصدقائي. أثناء التجول، وصلني بريد إلكتروني من الشركة العالمية في نيويورك: تم قبولي رسمياً مع زيادة في مكافأة الانتقال. وقفتُ لمحات، ثم ضغطتُ "قبول". كان هذا القرار بداية استعادة زمام حياتي. في المساء، أرسلت لي إحدى الصديقات صوراً قديمة من حساب ريم الخاص؛ صوراً لوجبات وسينما وساعات يد أهديتها أنا لطارق، مرفقة بعبارات عن "الانتظار والشخص المناسب". ألغيتُ حظر طارق لأرسل له لقطات الشاشة، وكتبت: "أرسلتها لك كي تعلم أنني فهمتُ كل شيء"، ثم حظرته مجدداً. حضر طارق إلى باب غرفتي يطرق بهستيرية. خرجتُ إليه للحديث في الممر، فبدأ يبرر أنه لم يخنّي جسدياً، فرددتُ عليه بثبات: — لا يهمني إن كانت خيانة جسدية، المهم أنك عوّدتني أن أكون الطرف الثالث في علاقتي بك. وأنا قبلتُ عرض عمل نيويورك واستعدتُ حياتي. في اليوم التالي، أعاد طارق لي قيمة النظارة (280 دولاراً) نيابة عن ريم التي غادرت وعادت إلى ديارها. رفصتُ أخذ المال منه وأصررتُ أن تدفعه هي بنفسها لاحقاً لكي لا تبقى بيننا أي ديون. قضيتُ بقية الرحلة في سعادة حقيقية؛ زرنا المتحف، وركبنا الدراجات، وضحكنا طوال الليل. لم يعد لطارق أي وجود مؤلم في قلبي. في اليوم الاخير، طلب طارق الحديث معي لأخر مرة قبل حركة القطار، فوافقت. أخبرني بصوت مكسور: — ريم اعترفت لي بشيء.. هي من أخفت ورقة كلمتكِ في حفل التخرج قبل عامين.. وهي من دخلت بريدكِ الإلكتروني وحذفت رسالة قبولكِ في برنامج التبادل الدراسي بـ أوروبا. تجمدت دماي في عروقي: — لماذا فعلت ذلك؟ — لأنني قلتُ لها حينها إنني سأفتقدكِ.. سارة، أقسم أنني لم أكن أعلم! — أصدقك يا طارق.. أصدقك أنك لم تكن تعلم، لكنك أنشأت بيئة جعلتها تدرك أن بإمكانها إيذائي وستجد أنت دائماً طريقة للدفاع عنها. تركتُه ومضيت. بعد أسابيع، حولت ريم المبلغ إلى حسابي، فأعدتُ لطارق ماله. وبعد شهر انتقلتُ إلى نيويورك، وبدأتُ مسيرة نجاح رائعة في عملي الجديد، حيث قُوبل شغفي ودقتي بالتقدير لا بالتهميش. علمتُ لاحقاً أن طارق وريم حاولا الارتباط بعد الفراق، لكنهما انفصلا بعد أربعة أشهر لكثرة الشكوك والمشاكل. بعد عامين، عدتُ لحضور زفاف ناتالي، ورأيتُ طارق هناك. كان يبدو أكبر سناً وأكثر تعباً. اقترب واعتذر مني بحرارة، وقدمتُ له الشكر وافترقنا دون ضغائن. عندما استيقظتُ في القطار ذلك اليوم ورأيت مقعدين فارغين، ظننتُ أن طارق تركني خلفه.. لكن الحقيقة أنه أهادني طريق الخروج، وكان لديّ أخيراً الشجاعة لأسلكه. تمت خاص لصفحة روايات وحكايات محمد نور و وردة احمد