الاختبار – محمد نور
رئيس مافيا يتدّعى النوم ليوقع ابن خادمه في فخ بمبلغ مئات الملايين، لكن شريطاً صغيراً على الطاولة يجعله يجثو على ركبتيه حابساً دموعه.
حمزة المعتاز في الثامنة والثلاثين من عمره، ولا أحد في الإسكندرية يجرؤ على نطق اسمه بالباطل. يسيطر الرجل على عشرات المستودعات اللوجستية، وموانئ الشحن، وشبكات تجارية واسعة. كان رجال الأعمال والملاّك وحتى المنافسون يعلمون تماماً أن نظرة واحدة منه كفيلة بفتح أبواب الرزق أو إنهاء حياة المرء إلى الأبد.
ولكن في تلك العصرية الباردة، كان حمزة يجلس مستندا إلى كرسيه الجلدي في مكتبه واضعاً عينيه المغطاتين في غفوة مصطنعة. وعلى الطاولة المصنوعة من خشب الزان أمامه، أُلقي ظرف بني سميك مفتوح بفجاجة، تظهر منه أوراق نقدية بقيمة 100,000,000 جنيه، متروكة عمداً تحت ضوء المصباح الخافت.
كان هذا اختبار الولاء الذي استخدمه طوال 15 عاماً؛ اختبر خلالها العشرات من رجاله، وشركائه، والعاملين في بيته، وكانت النتيجة واحدة دوماً: الجميع في النهاية يضعفون ويأخذون ما ليس من حقهم. ومنذ ذلك الحين، توقف حمزة عن البحث عن الصادقين، وأراد فقط إثبات أن لكل إنسان ثمناً ونقطة جشع.
انفتح باب المكتب ببطء وبلا صوت. دخلت “رضوى”، وهي خادمة جديدة في التاسعة والعشرين من عمرها، تحمل دلواً وقماش تنظيف، وخلفها تسير طفلتها الصغيرة “مالك” التي بلغت السادسة. كانت مالك ترتدي حذاءً قماشياً ممزق الأطراف وسترة خفيفة بالية لا تقي برودة الغرفة المكيفة.
عملت رضوى في هذا القصر منذ 3 أسابيع فقط. وقبل عامين، توفي زوجها “أحمد” في حادث شاحنة أثناء عمله، مخلفاً وراءه ديون الإيجار، وأعباء المعيشة، وطفلة تحتضن كل ليلة سواراً خشبياً على شكل نجمة صنعه لها والدها.
لتفتت رضوى إلى طفلتها وهمست بخوف شديد:
— «اجلسي في تلك الزاوية ولا تمسي أي شيء. السيد حمزة نائم، وإذا استيقظ ورآك تتجولين فسوف يطردني اليوم. وإن طُرِدتُ، فلن نجد مأوى الليلة.»
أومأت مالك رأسها بأسى:
— «حاضر يا أمي، سأبقى هادئة.»
هرعت رضوى للخارج لتنظيف الممر الرئيسي. بينما واصل حمزة إغماض عينيه، متحكماً في أنفاسه لتبدو منتظمة كمن يحلم.
مرت دقيقة، ثم ثلاث دقائق في صمت تام. وفي الدقيقة الخامسة، سمع حمزة حفيف خطوات صغيرة حذرة تقترب من مكتبه، حتى توقفت بجانب كومة الأموال تماماً. انتظر حمزة صوت احتكاك الورق النقدي وهو يُسحب إلى الجيب، وكان مستعداً لفتح عينيه وصب جام غضبه. لكن لم يصدر أي صوت للمال.