الاختبار – محمد نور

— «سيدي، أنا—»

— «قلتُ انهضي!» قاطعها بصوت أعلى قليلاً.

نهضت رضوى فوراً وهي ترتجف، وسحبت مالك خلفها تحميها من غضب سيديها المتوقع. لكن حمزة لم يفرغ غضبه، بل مشى إلى خلف المكتب، وفتح درجاً ليخرج مجلداً قدماً. لم تكن فيه وثائق تجارية، بل صور قديمة باهتة لرجل في منتصف العمر يب his ابتسامة عريضة—والد حمزة—ومعه فتى في سن المراهقة وهو حمزة نفسه. وفي إحدى الصور، كان حمزة الصغير يرتدي سترة بسيطة ويمسك بشيء صغير. نظر حمزة إلى الصورة، ثم عادت عيناه إلى السوار على المكتب.

كان هناك رابط خفي يشعر به؛ ليس عن المال أو النفوذ، بل عن مبدأ كاد ينساه.

قال حمزة بصوت هادئ:

— «مالك… اجلسي على هذا الكرسي.» وأشار إلى الكرسي الكبير أمام مكتبه.

نظرت مالك إلى أمها تستأذنها، فأومأت رضوى الخائفة برأسها. جلست مالك بحذر على الكرسي الخشبي الضخم.

تنهد حمزة جلس في كرسيه:

— «تعلمين يا مالك… لقد قضيتُ وقتاً طويلاً أضع الطعم، وأنتظر سقوط الآخرين لأكرههم. كنتُ أظن أن جميع البشر أصحاب جشع، وأنه لا يوجد صادق واحد. كنتُ أظن أن الانتقام هو الشيء الوحيد الذي يبقيني حياً.»

حبست رضوى أنفاسها، فلم يكن هذا هو السيناريو الذي توقعته. ظنت أنها ستُطرد أو تُضرب، لكنها كانت تستمع إلى اعتراف هز أركان المكان.

وتابع حمزة وهو ينظر إلى مالك:

— «لكن اليوم… طفلة صغيرة ذكرتني بشيء دفنته منذ زمن؛ عن الخير الذي لا ينتظر مقابل، وعن التضحية الصادقة، وعن…» توقف ليبلع ريقه، «عن أبي.»

سألته مالك ببراءة:

— «هل كان للعم أبٌ أيضاً؟»

جعل هذا السؤال البسيط أطراف عيني حمزة تتألق بالدموع:

— «نعم يا مالك. في الماضي. ولكن أبي… رحل. ومنذ ذلك الحين، نسيت كيف أكون إنساناً.»

خرجت الكلمات بنبرة مهتزة غير معتادة. لم يكن هذا حمزة المعتاز الذي تهابه الإسكندرية، بل كان رجلاً حاول طوال 15 عاماً حماية نفسه بالكراهية، ليكتشف أن تلك الحماية كانت سجناً بناه بنفسه.

قام حمزة وتوجه نحو النافذة الزجاجية الكبيرة المطلة على الحديقة:

— «قال لي أبي قديماً: “يا حمزة، لا تدع الجراح تحولك إلى شخص يكره العالم بأكمله”، لكني لم أستمع إليه، واخترت أن أكره الجميع لأكون في أمان، ولكن الحقيقة… أنني أزداد بؤساً.»

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *