الوصية – محمد نور
جوزي رجع البيت يوم جنازة أخويا… بس كان فات الأوان
كنت عارفة إن أحمد أكل خلاص، عشان كده ما سألتوش كان فين ولا أكل إيه.
كملت أكلي لوحدي.
كنت لسه لابسة الفستان الأسود بتاع الجنازة، وشعري مرفوع، وعلى دراعي شريط أسود.
قاعدة على الأرض في شقتنا الفخمة في الدور السادس والستين، كان المنظر كله عبثي بشكل غريب.
أحمد غسل إيده وقعد على الكنبة.
ما قالش حاجة.
وأنا كمان ما اتكلمتش.
غمست قطعة اللحمة في الشوربة لمدة خمس ثواني بالظبط، وبعدها حطيتها في الصوص وأكلتها.
وفضلنا كده تقريبًا ساعة كاملة.
من أربع سنين، أحمد برضه ما حضرش جنازة أمي.
والنهارده الصبح كمان ما كانش موجود في جنازة أخويا الصغير.
لما خلصت أكل، لمّيت كل حاجة، ودخلت الحمام وشلت الشريط الأسود من على دراعي.
وأول ما خرجت، أحمد ناداني أخيرًا:
— مريم.
لفيت له.
قرب مني وحضني.
— لو عايزة تعيطي، عيطي… أنا رجعت خلاص.
بصيت له بهدوء.
— أنا بقالي سنين ما بعيطش.
حاول يضمّني أكتر لصدره.
— مريم…
قاطعت كلامه:
— روح خد دش. ريحتي هتفضل في هدومك.
وما اديتوش فرصة يكمل.
بعد شوية، سمعت صوت الميه شغال في الحمام.
دخلت أوضة النوم وقربت من الشباك الزجاج الكبير.
الدور السادس والستين.
بصيت لتحت.
ولأول مرة سألت نفسي…
يا ترى إيه اللي هيوجع أكتر؟
إني أكمل جلسات العلاج الكيماوي…
ولا أنهي كل حاجة مرة واحدة؟
وفجأة، موبايلي اهتز.
كان عليه عشرات رسايل التعزية.
تجاهلتهم كلهم.
لكن لقيت تسجيل صوتي مجدول وصل في نفس اللحظة.
كان من أخويا، عمر.
إيدي بدأت تترعش.
شغلت التسجيل.
وجالي صوته:
— كل سنة وإنتِ طيبة يا أختي الصغيرة… أوعي تنسي تاكلي التورتة. وبقولك سر… أنا سجلتلك مية تهنئة بعيد ميلادك. يعني لازم تعيشي لحد المية سنة، اتفقنا؟ كل سنة من عمرك هتسمعي تهنئة مني.
حسيت إن نفسي اتخنق.
سندت ضهري على إزاز الشباك.
عمر كان بيحارب سرطان العضم لمدة سنة كاملة.