الوصية – محمد نور
أحمد نزل على ركبته جنب سريري.
وصوت عمر كمل:
— ولما تخلصي… عيشي شوية كمان.
التسجيل انتهى.
محدش اتكلم.
وأنا عيطت.
عيطت زي ما ما عيطتش من سنين.
أحمد حط جبهته على إيدي.
سارة كانت بتعيط من غير ما تحاول تخبي.
الجدة كانت بتتمتم بدعاء.
ولما قدرت أخد نفسي بهدوء، بصيت لشروق الشمس.
السماء كانت لونها برتقالي.
قلت:
— أحمد.
— أنا هنا.
— افتح الشباك شوية.
— الجو برد.
— عارفة.
فتحه.
دخل الهوا البارد.
قفلت عيني.
ولأول مرة من وقت طويل…
ما كنتش بعد الشهور.
ولا الأسابيع.
ولا الأيام.
كنت بس بسمع صوت الهوا.
ماتت بعد تلات أسابيع.
ما كانش فيه مشهد درامي.
ولا كانت فيه جملة أخيرة مثالية.
الحياة نادرًا ما بتعرف تكتب نهايات بالشكل ده.
في اليوم ده كنت أكلت معلقتين آيس كريم شوكولاتة.
واتخانقت مع أحمد عشان لسه بيشتري النوع الغلط.
وربت على القطة.
وبعدين نمت.
وما صحيتش.
أحمد نفّذ تقريبًا كل تعليماتي الخاصة بالجنازة.
تقريبًا.
رفض يحط زهور بيضا.
وجاب بدلها زهور بنفسجية.
نفس العطر اللي كنت حطاه ليلة جنازة عمر.
ولما سارة سألته ليه، قال:
— عشان سنين طويلة كنت فاكر إن الريحة دي معناها إن مريم بتبعد عني.
بص للورد.
— دلوقتي عايز أفتكرها كريحة إنسانة اتعلمت أخيرًا تعيش لنفسها.
رمادي اتدفن جنب أمي وعمر.
وعلى القبر ما كتبوش جملة كبيرة أو كلام مبالغ فيه.
بس اسمي.
وتاريخ ميلادي ووفاتي.
وتحتهم سطر واحد أخده أحمد من آخر تسجيل لعمر:
“عيشي وإنتِ عايشة.”
بعد سنة، أحمد باع الشقة اللي في الدور السادس والستين.
عمره ما قدر يبص لنفس الشباك بنفس الطريقة تاني.
اتبرع بجزء من الفلوس لأبحاث سرطان العضم، وعمل مع سارة مشروع لمساعدة عائلات المرضى في المراحل الأخيرة من المرض، عشان يسجلوا رسائل لأحبابهم قبل فوات الأوان.
سمّوا المشروع:
“مشروع المية.”