الاختبار – محمد نور
التفت إلى رضوى:
— «رضوى… لن تُطردي من العمل، ولن يُخصم من أجرك شيء.»
تنفس رضوى الصُّعداء والدموع تملأ عينيها:
— «ولكن يا سيدي…»
— «لا ولكن!» قاطعها بحزم. «سأضاعف أُجرتك مرتين، ويمكنك الانتقال إلى الغرفة في الطابق الثاني بجانب غرفة مالك. لا أريد أن أرى أطفالاً يرتجفون من البرد في بيتي.»
اتسعت عينا مالك:
— «حقاً يا عمي؟ لن أرتجف ثانية؟»
ابتسم حمزة ابتسامة صغيرة، كانت الأولى منذ سنوات:
— «لا يا مالك. في بيتي، لا أحد يشعر بالبرد.»
لكن خلف تلك الابتسامة، كان هناك شعور ذنب يحترق داخله. الأموال التي وضعها طعماً، والشبكات التجارية، والنفوذ… كل ذلك بدا فارغاً الآن. نظر إلى السوار الخشبي وعقد عزمه؛ هناك خطأ يجب إصلاحه، وسر كبير يحمله منذ 15 عاماً.
— «عليّ أن أسافر غداً صباحاً،» قال حمزة فجأة.
سألته رضوى باستغراب: «إلى أين يا سيدي؟»
نظر إليهما بعينين تلمعان بأمل جديد:
— «إلى المقابر… إلى قبر أبي. هناك شيء لم أقله منذ 15 عاماً، وأريد أيضاً أن أبحث عن صديق قديم.»
في الصباح التالي، كان البيت يفيض بالدفء. انتقلت رضوى ومالك إلى الطابق الثاني، ونامت مالك في فراش دافئ لأول مرة.
نزلت رضوى لتجد حمزة يرتدي سترة جلدية سوداء بدلاً من بذلته الرسمية، يبدو وجهه أكثر هدوءاً.
— «سيدي، هل لي أن أعرف إلى أين أنت ذاهب؟»
— «إلى المقابر يا رضوى، لأزور والدِي وأصفي حسناً قداماً،» أجاب حمزة. «اهتمي بمالك، فهي طفلة طيبة، ولا تدعي قسوة العالم تغيرها.»
قاد حمزة سيارته جنوباً نحو أطراف المدينة ذات الأشجار الكثيفة، حتى وصل إلى مقبرة هادئة. مشى بين الشواهد حتى وصل إلى قبر والده “حمزة المنسي”، وضع زهور الورد الأبيض على المارمر، وجثا على ركبتيه.
— «أبي…» همس بصوت خافق. «سامحني. لقد أفسدت وصيتك طوال 15 عاماً، وصرتُ رجلاً مليئاً بالكراهية. ولم أجرؤ على الاعتراف بخطئي بشأن… “شريف”.»
خرج الاسم كهمسة. شريف كان صديق طفولته، ابن خادمة بيتهم. كبرا معاً وكان شريف أميناً وذكياً، وهو الشخص الوحيد الذي وثق به حمزة. ولكن قبل 15 عاماً، عندما قُ/تل والد حمزة، جاء رجل خبيث يدعى “توفيق” وزوّر أدلة تثبت أن شريف هو من خان والده. وفي لحظة غضب وحزن، طرد حمزةُ شريفاً من حياته دون أن يسمع منه، وانضم إلى توفيق ليتعلم منه قسوة العمل ثم انقلب عليه واستولى على كل شيء.