بعد ايام من خضوعي لعملية – محمد نور
بعد أيام من خضوعي لعملية كبيرة في العمود الفقري، اتصلت بيا أمي وهمست:
“أتمنى تكوني فاهمة ليه مقدرناش نكون جنبك.”
وعيني مليانة دموع، رديت عليها:
“فاهمة كويس جدًا يا أمي… حفلة أختي كانت أهم عندكم!”
سكتت تمامًا، ومقدرتش تقول كلمة واحدة.
كان جهاز المراقبة اللي جنب سريري في المستشفى بيطلع صفير منتظم، بارد وقاسي، كأنه بيعكس الفراغ اللي جوا صدري.
قبلها بتلات أيام، كنت خضعت لعملية جراحية كبيرة في أسفل العمود الفقري. الدكاترة ثبتوا قضبان معدنية ومسامير من التيتانيوم في فقرات ضهري، علشان يمنعوا عني خطر إني أفقد القدرة على استخدام رجليَّ.
العملية استمرت ست ساعات كاملة.
ولما فوقت أخيرًا في العناية المركزة، كنت مرعوبة وجسمي بيرتعش من آثار العملية والصدمة، لكن تليفوني فضل ساكت تمامًا.
مفيش رسالة.
مفيش مكالمة فائتة.
حتى مفيش مكالمة بسيطة يطمنوا فيها عليا من الناس اللي كانوا المفروض يكونوا أول ناس جنبي.
ودلوقتي، وأنا نايمة على ضهري ومش قادرة أتحرك، والمحلول متثبت في إيدي اللي كانت مليانة كدمات، تليفوني اهتز أخيرًا فوق ملاية السرير البيضاء.
كانت أمي.
صوابعي كانت بتترعش وأنا برد على المكالمة، ولسه جوايا شرارة أمل صغيرة وضعيفة.
يمكن حصلت حالة طارئة.
يمكن الطريق اتقفل.
يمكن كان عندهم سبب حقيقي منعهم من المجيء.
“ألو يا حبيبتي.”
صوت أمي طلع من السماعة بمرح مستفز، كأنه مفيش أي حاجة حصلت.
مفيش إرهاق.
مفيش خوف.
ولا حتى ذرة قلق كنت متوقعة أسمعها من أم بنتها لسه خارجة من عملية خطيرة في العمود الفقري.
“أنا بس حبيت أكلمك وأطمن عليكي. أتمنى تكوني فاهمة ليه مقدرناش نكون معاكي في المستشفى.”
الصمت في الأوضة بقى خانق.
حسيت بحلقي بيضيق، وجرح قديم أعرفه كويس اتفتح من جديد.
طول الأربعة وعشرين سنة اللي فاتوا، عشت دايمًا في ظل أختي الصغيرة المدللة، نور.
كانت هي دايمًا المفضلة.
لكن إنهم يفوتوا عملية كبيرة ممكن تغيّر حياتي كلها علشان حفلة عادية في نهاية الأسبوع؟