المحكمة – محمد نور
أول ما دخلت قاعة المحكمة في الإسكندرية وأنا لابسة بدلة القوات الخاصة البحرية القديمة بتاعتي، كل الكلام سكت مرة واحدة.
أبويا ضحك ضحكة خافتة من تحت سنانه، وأمي هزّت راسها بإحراج، لكن أول ما المستشار سامح رفع عينه وشافني، إيده بدأت ترتعش.
همس لنفسه:
«يا إلهي… هي دي فعلًا؟»
كل وش في قاعة المحكمة اتلفت ناحيتي.
قبلها بيومين، كنت واقفة قدام بيتي المتواضع في منطقة سيدي بشر، بقص شجر الزينة اللي قدام البيت، لما لقيت جواب لونه كريمي جوه صندوق البريد.
العنوان اللي وراه كان مكتوب عليه:
محكمة أسرة الإسكندرية.
وأول ما شوفته، حسيت بثقل غريب نزل على معدتي.
الجواب ماكانش دعوة.
كان استدعاء للمحكمة.
القضية رقم 4238 ب.
محمود ضد محمود.
طلب تقسيم ملكية.
المدّعيان: محمود وسعاد محمود.
المدّعى عليها: إيمان محمود.
أبويا وأمي هما اللي كانوا رافعين عليّا قضية.
دخلت الورق جوه البيت وحطيته على ترابيزة المطبخ، وروكي كان حاطط راسه على ركبتي.
ضحكة ناشفة خرجت مني وأنا بقرأ الأسماء مرة تانية.
قلت بصوت واطي:
«شكلهم أخيرًا لقوا طريقة تانية يكلموني بيها.»
كان عدى اتناشر سنة من آخر مرة حسيت فيها إني رجعت بجد لبيتي.
آخر مرة أبويا وأمي شافوني فيها، كنت لسه مخلصة أصعب مراحل تدريبات القوات الخاصة البحرية.
أبويا رفض يحضر.
وأمي ما بعتتش غير رسالة واحدة:
«إحنا ربينا بنت… مش جندية.»
بعدها بطلت أستنى موافقتهم.
خدمت في هدوء.
مهمات، وتحركات، وقرارات كانت حياة ناس تانية متوقفة عليها، وعلى قدرتي إني أفضل ثابتة وقت ما كل اللي حواليا كانوا بيفقدوا السيطرة.
لحد ما عبوة ناسفة انفجرت في طريقنا أثناء إحدى المهام، وانفجرت عربيتنا واتنقلت أنا للمستشفى.
رجعت البيت بعدها بركبة اتعمل لها عملية إعادة بناء، وعرج دائم، ومعاش عسكري عمري ما كنت بحب أتكلم عنه.
لكن وسط كل ده، كان فيه شيء واحد فضل ملكي.
بيت جدي الريفي.
جدي كان سايبهولي بشكل قانوني، ومن سنة 2013 وأنا بدفع ضرايبه كل سنة من غير ما أتأخر مرة واحدة، حتى وأنا كنت في مهام بره البلد.