المحكمة – محمد نور
كل إيصال ضريبي سنوي كان مدفوع من حسابي في صندوق القوات المسلحة.
اتناشر سنة.
ولا سنة واحدة اتأخرت فيها عن الدفع.
ولما المستشار سأل أبويا وأمي إذا كانوا لسه عايزين يكملوا دعوى الملكية، المحامي الجديد وقف.
«لأ يا سيادة المستشار.»
المستشار بص لأمي.
«مدام سعاد؟»
هزت راسها.
«لأ.»
صوتها كان شبه مش مسموع.
«أنا بسحب كل حاجة.»
أبويا لف ناحيتها.
«إنتِ ماينفعش تعملي كده.»
بصت له.
ولأول مرة، ما ارتبكتش.
«لأ يا محمود. ينفع.»
المستشار أسقط دعوى الملكية نهائيًا.
وبعدين عمل حاجة ما توقعتهاش.
طلب مني أقرب.
مشيت ناحية المنصة.
عرجتي كانت أسوأ اليوم ده.
المطر دايمًا كان بيزود وجع ركبتي.
استنى لحد ما وقفت قدامه.
وبعدين مد إيده تحت مكتبه وطلع صورة صغيرة.
أبيض وأسود.
فيها اتنين شباب واقفين على ظهر سفينة.
واحد كان هو.
والتاني كان جدي.
حطيت إيدي على بوقي.
قال:
«هو اداني الصورة دي قبل ما نتنقل.»
قلبت الصورة.
وعلى ضهرها، بخط جدي، كانت مكتوبة ست كلمات:
للأيام اللي تختار فيها الشجاعة.
فضلت أبص لها.
قال المستشار بصوت هادي:
«جدك كان بيتكلم عنك قبل ما تدخلي القوات أصلاً.»
عيني دمعت.
«كان بيقول إيه؟»
ابتسم.
«كان بيقول إن حفيدته هتخوف رجالة كتير ضعاف.»
ضحكت.
ونص القاعة ضحك معايا.
حتى أمي ابتسمت وسط دموعها.
أبويا ما ضحكش.
لفيت عشان أمشي.
«إيمان.»
صوته وقفني.
لفيت له.
ولثانية واحدة غبية، جزء قديم جوايا توقع إنه يعتذر.
لكنه قال:
«إنتِ فاكرة إنك كسبتي؟»
بصيت له.
«لأ.»
بان عليه الاستغراب.
كملت:
«أنا شايفة إن جدي هو اللي كسب.»
ملامحه اتشدت.
قلت:
«لأنه كان عارف بالظبط إنت مين.»
كانت دي آخر جملة قلتها لأبويا في المحكمة.
القضية الجنائية استمرت شهور.
أنا شهدت مرة.
أمي شهدت مرتين.