المحكمة – محمد نور

 

لكن حسب الدعوى اللي كانت قدامي على ترابيزة المطبخ، أبويا وأمي كانوا بيقولوا إني هجرت البيت، وإنهم هما اللي دفعوا كل المصاريف بنفسهم.

 

الموضوع ماكانش سوء تفاهم.

 

دي كانت كذبة… واخدين لها رقم قضية رسمي.

 

في الليلة دي، فتحت الصندوق الخشب القديم بتاع القوات البحرية، اللي كان موجود عند آخر السرير.

 

أول ما رفعت الغطا، ريحة القماش القديم والملح وزيت الس8لاح ضربتني بقوة، وذكريات سنين كاملة اندفعت في دماغي مرة واحدة.

 

جوه الصندوق كانت البدلة بتاعتي، والنياشين والميداليات، وكمان العلم المطوي بعناية، اللي كان بتاع أعز صاحبي لؤي.

 

روكي كان واقف بيتفرج عليّا من جنب السرير وأنا برفع الجاكت.

 

همست:

 

«أخيرًا… هيقابلوا الشخص اللي أنا بقيت عليه.»

 

تاني يوم الصبح، اتصلت بالمحكمة.

 

الموظفة أكدتلي إني لازم أحضر بنفسي.

 

وأثناء الكلام، استخدمت نفس الكلمة بالظبط اللي أبويا قالها لي يوم ما قررت أدخل القوات الخاصة.

 

الهجر.

 

قبل جلسة المحكمة، روحت لبيت جدي الريفي.

 

شجرة البلوط القديمة كان نصها مات.

 

الدهان كان بيتقشر من على الجدران، وجزء من الشرفة كان واطي أكتر بكتير مما كنت فاكرة.

 

جدي هو اللي بنى البيت ده بإيديه.

 

أبويا وأمي ما بنوهوش.

 

صباح الجلسة، وقفت قدام المراية وثبتُّ كل ميدالية في مكانها.

 

الجاكت كان أضيق عليّا من زمان، وركبتي المصابة وجعتني وأنا بحاول أقف باستقامة كاملة، لكن الوزن اللي على كتافي كان مألوف.

 

مش مريح.

 

لكن مستحق.

 

جوه المحكمة، عامل النظافة لمح النياشين اللي على صدري، فبعد بهدوء من طريقي وقال:

 

«يا فندم.»

 

هزيت راسي وكملت مشيي.

 

ولما الموظفة نادت أخيرًا:

 

«القضية رقم 4238 ب… محمود ضد محمود.»

 

قمت لوحدي.

 

ماكانش معايا محامي.

 

أبويا لف ناحيتي، وبصلي بنفس النظرة القاسية اللي فاكرها من أيام طفولتي.

 

أمي كانت قاعدة جنبه وظهرها مستقيم، ولابسة عقد لولي حوالين رقبتها، وخيبة الأمل كانت باينة على وشها من قبل حتى ما الجلسة تبدأ.

 

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *