بعد ولادة طفلي – محمد نور
قطبت حواجبي.
— على إيه؟
— على السنين دي.
عينيه لمعت، لكنه ابتسم.
— حتى لو ما انتهتش زي ما كنا متخيلين.
فكرت شوية.
— كان فيها حاجات حلوة برضه.
هز راسه.
وافترقنا.
من غير وعود.
من غير ضغينة.
ومن غير ما نبص ورا.
الليلة دي مشيت لوحدي جنب الميناء.
الهوا كان بارد.
دخلت إيديا في جيوب الجاكت.
لفترة طويلة كنت فاكرة إن خسارة ياسين معناها إني هبقى من غير عيلة.
وبعدين اكتشفت حاجة محدش علّمني إياها:
العيلة مش هي الشخص اللي بتفتكر إنك مستحيل تقدر تعيش من غيره.
والحب مش دين لازم تفضل تسدده للأبد.
أبويا وأمي حبوني.
وياسين حبني بطريقته، خلال جزء من حياتنا.
وأنا كمان حبيته.
ولا حاجة من ده اختفت لمجرد إن جوازنا انتهى.
لكن ده برضه مش معناه إني لازم أفضل في مكان مبقتش سعيدة فيه.
بصيت لأنوار المدينة وهي منعكسة على المية.
تليفوني اهتز.
كانت رسالة من زميلتي الجديدة في الوحدة:
«العشا الساعة تمانية. لو لغيت تاني، هنروح نجيبك بنفسنا.»
ضحكت بصوت عالي.
وردّيت:
«جاية في الطريق.»
قبل ما أحط التليفون في جيبي، شفت انعكاسي الغامق على الشاشة.
افتكرت البنت اللي كان عندها تمنتاشر سنة ونطت سور دار الأيتام وهي ماسكة إيد ياسين.
كانت فاكرة إنه أنقذها.
ولفترة طويلة، أنا كمان كنت فاكرة كده.
لكن دلوقتي فهمت الحقيقة.
ياسين فتح باب.
أيوه.
لكن أنا اللي جريت.
أنا اللي درست.
أنا اللي بقيت شرطية.
أنا اللي عديت من فقدان ابني.
أنا اللي وقعت على الورق.
أنا اللي سقت عربيتي لمدينة جديدة.
وأنا اللي في الآخر اخترت نفسي.
الليلة دي مشيت ناحية النور من غير ما أبص ورايا.
لأن فيه ناس بتدخل حياتنا عشان تفضل.
وناس تانية بتدخل حياتنا عشان تعلمنا إحنا كنا مين.
وفيه ناس، حتى لو كانوا في يوم من الأيام عالمنا كله، بينتهوا في الآخر ويبقوا مجرد فصل.
ياسين كان أطول فصل في شبابي.